الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
19
تفسير كتاب الله العزيز
الدينيّة خاصّة ؛ وأعني بهما : القيروان وتاهرت . كان وجود هذين المركزين جديرا بأن يشدّ انتباه العالم الناشئ الطموح ، وأن يستحثّ همّته فيولي وجهه شطريهما ، لينهل منهما ما يشبع نهمه العلميّ ، ويروي ظمأه للمعرفة . لقد كانت هاتان العاصمتان تزخران بالعلماء والأدباء من مختلف الطوائف الإسلاميّة والمذاهب الدينيّة . وكانت مجالس العلم والمناظرة في أوج نشاطها . وكان الجدل يشتدّ أحيانا ويحتدّ ، حتّى يتّخذ أشكالا من الصراع المذهبيّ ، وكان التسامح يسودها أحيانا ، فتنتظم اللقاءات ، وتعقد الندوات بين العلماء ، وتتلاقح الأفكار ، فلا يستنكف هذا أن يأخذ من هذا ، وأن يستفيد هذا من ذاك ، وإن لم يكن على مذهبه أو من طائفته « 1 » . على أنّ القيروان مثلا لم تخل في عهد الأغالبة من علماء إباضيّة عاشوا بجنب علماء مالكيّة ، وإن كان هؤلاء هم الأغلبيّة ، وبجانب علماء من الحنفيّة أو غيرهم من المذاهب الإسلاميّة الأخرى . ونجد لوّاب بن سلّام بن عمر اللواتي الإباضي يعقد فصلا خاصّا في كتابه : « بدء الإسلام وشرائع الدين » « 2 » جعل عنوانه هكذا : « تسمية فقهاء أصحابنا وعلمائهم ومشايخهم وذراريهم بمدينة القيروان وحواليها » . لقد عدّ منهم أحد عشر عالما مبرّزا وحدّد مجلس كلّ واحد منهم وسكناه بمدينة القيروان وما حولها . وكان من بين هؤلاء عالمان ينتسبان إلى قبيلة هوّارة نفسها . كان ذلك طوال القرن الثالث الهجري . فقد كتب لوّاب بن سلّام كتابه بعد سنة 273 / 886 بقليل « 3 » . ويعدّ هذا الكتاب من أقدم كتب التاريخ التي وصلت إلينا من شاهد عيان لأحداث القرن الثالث الهجري فقصّها علينا ؛ وقد عاش بين جبل نفوسة وبلاد الجريد أي في شرق إفريقية ، بينما عاش ابن الصغير في مدينة تاهرت .
--> ( 1 ) ابن الصغير ، أخبار الأئمّة الرستميين ، ص 81 - 85 . وانظر عبد العزيز المجدوب ، الصراع المذهبي بإفريقية ، ص 61 - 84 ، و 104 - 119 . ( 2 ) ابن سلّام بن عمر اللواتي ، بدء الإسلام وشرائع الدين ، ص 158 - 159 . هذا هو عنوان الكتاب الحقيقيّ ، وقد اطّلعت عليه مخطوطا سنة 1976 . ثمّ طبع تحت عنوان مزيّف سخيف سنة 1405 ه / 1985 م ، ونشرته دار اقرأ البيروتيّة . وانظر : صالح باجية ، الإباضية بالجريد ، ص 206 . ( 3 ) يقول عنه الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في كتابه ورقات : إنّه « أقدم المؤرّخين الإفريقيّين » .